السيد محمد باقر الصدر

137

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

وقد ابتدأت المثالية دورها الأوّل في المصطلح الفلسفي على يد أفلاطون حين قال بنظرية خاصّة في العقل والعلم الإنساني ، وأسميت تلك النظرية بنظرية : ( المثل الأفلاطونية ) ، فقد كان أفلاطون فيلسوفاً مثالياً ، ولكنّ مثاليته لم تكن تعني إنكار الحقائق المحسوسة ، وتجريد الإدراكات الحسّية عن الحقائق الموضوعية المستقلّة عن مجال التصوّر والإدراك ، بل كان يعتقد بموضوعية الإحساس ، غير أنّه ذهب إلى أكثر من ذلك ، فاعتقد بموضوعية الإدراكات العقلية التي هي أعلى درجة من الإدراكات الحسّية مقرّراً أنّ الإدراك العقلي - وهو إدراك الأنواع العامّة كإدراك معاني الإنسان والماء والنور - ذو حقيقة موضوعية مستقلّة عن التعقّل ، كما سبق إيضاحه في الجزء الأوّل من هذه المسألة « 1 » . وهكذا نعرف أنّ المثالية القديمة كانت لوناً من ألوان الإسراف في الإيمان بالواقع الموضوعي ؛ لأنّها آمنت بالواقع الموضوعي للإحساس ( إدراك المعاني الخاصّة بالحسّ ) وللتعقّل ( إدراك المعاني بصورة عامّة ) ولم تكن إنكاراً للواقع أو شكّاً فيه . واتّخذت المثالية في التأريخ الحديث مفهوماً آخر يختلف كلّ الاختلاف عن المفهوم السابق ، فبينما كانت المثالية الأفلاطونية تؤكّد على وجود الحقيقة الموضوعية للإدراكات العقلية والحسّية معاً جاءت المثالية في لونها الحديث لتزعزع أساس الواقع الموضوعي ، وتعلن عن مذهب جديد في نظرية المعرفة الإنسانية تلغي به قيمتها الفلسفية . والمفهوم المثالي الجديد هو الذي يعنينا درسه ومعالجته في بحثنا هذا . وقد اختلفت على هذا المفهوم ألوان متعدّدة وصياغات كثيرة ، وتوسّع

--> ( 1 ) تحت عنوان : نظريّة الاستذكار الأفلاطونيّة ، في مبحث ( التصوّر ومصدره الأساسي )